حوار مع المناضل الصحفي سليم بوخذير

حاوره محمد الفاضل

في مثل تلك الملاحم التونسية التي يكابد عذاباتها شعب أنهكه الاستكبار، لن يكون الخلاص أبداً على يد بطل يوناني نصف إلاه، إذ ليس عليك أن تستهين بهمة أهلك إن خرج عليك هذا الوطن مع كل محطة من محنته برجل بشري بنصفيه، لاتتقاسم الألوهية والبشرية هويته، وإنما تُـنبته لكَ هذه الأرض من أديمها، وتكتمل فيه إنسانيته على وقع تلكم الملاحم الوطنية، محنة بعد محنة. وإن أسقطته أوجاعه، فستستنبت الأرض لذكراه شقائق النعمان ترسم للقادمين معالم طريق لا يقطع دروبها غير الأحرار. slim-marc.jpg

 (سليم بوخذير مع أعضاء من بعثة أيفيكس خلال إضرابه، تصوير كلمة)

السيد سليم بوخذير بلغ إضرابكم عن الطعام يومه الثالث والعشرين، وحالتكم الصحية في تدهور مستمر فهل لكم أن تنقلوا إلى المتابعين لقضيتكم ما أفادكم به الأطباء من تشخيص حالتكم الصحية.

 في الأيام العشر الأخيرة عانيت من متاعب صحية كثيرة وتدهور أصاب أعضاء كثيرة في الجسم ويتلخص الوضع حالياً في ما يلي:ارتفاع في عدد نبضات القلب منذ بضعة أيام مصحوب بوخز والكلية اليمنى تنزف دماً يظهر عند التبول ويرجع الطبيب ذلك إلى آثر الإضراب عن الطعام، أيضاً يبدو أن الكبد مصاب ويصدر عنه لون أصفر وإلى ذلك أوجاع بالمعدة بسبب الجوع طبعاً،و لأكثر من مرة يغمى علي وأستعين بالنوم و الإستحمام عادة لاستعادة أنفاسي واستجماع قواي.كل الأطباء طلبوا مني وقف الإضراب، الطبيب العام وطبيب القلب وطبيب الكلى، وأنا لا زلت أتمسك بمتابعة الإضراب:أولاً لكوني لازلت أشعر بالقدرة على المواصلة حتى أني تعودت علي رؤية خروج الدم عند التبول وإستوت عندي الأمور، ولن يكون وقف إضرابي عن الطعام بقرار طبي وإنما بقرار سياسي، يقضي برفع الحصار على لقمة العيش التي قطت أسبابها بطردي من جريدة الشروق وتمكيني من جواز سفري، وفي الحد الأدنى عودتي إلى العمل، وسأواصل الإضراب تحت كل ظرف حتى ولو أدى بي ذلك إلى الموت، فأنا أفضل الموت جوعاً على العيش خاضعاً:الجوع ولا الخضوع. سني المهني ستة عشر عاماً، مارست خلالها مهنة الصحافة في كل المؤسسات الإعلامية التونسية تقريباً بالإذاعة والتلفزة التونسية والصحف التونسية قمت بالإشتغال في قطاع الثقافة والفنون في قطاع المجتمع في التحقيقات في الشؤون الوطنية.آخر محطة كانت بجريدة الشروق . يعود سبب الإضراب إلى تدخل السلطة بعلاقتي بالجريدة التي توفي صاحبها، والقانون يمنع توريث التراخيص، فاستحوذت عليها الدولة بتعين عبد الحميد الرياحي رئيساً للتحرير الذي صار يباشر مآرب غريبة في الجريدة وبسلوكيات لاتمت إلى ميثاق شرف المهنة الصحفية بصلة بلغت حداً صار يساومني ويهددني إذا لم أسقل من نقابة الصحفيين، و إذا لم أتوقف عن كتابة المقالات التي تنشر في مواقع بالأنترنات المعارضة لنظام الجنرال ابن علي، و يتوعدني بالطرد من الجريدة. والواقع أن عبد الحميد الرياحي ليست له أي صلوحيات قانونية تخوله اتخاذ قرار طردي، ومع ذلك فقد تم له ذلك يوم 4أفريل حين تدخل البوليس السياسي وطوق الجريدة ومنعي من الدخول أكثر من مرة، وهذا أكبر دليل على أن الحكومة هي التي أخذت قراراً بطردي وتجويعي وتجويع من هم في كفالتي إبني وزوجتي ووالدتي، وهذا بقصد ثنيي على التمسك بمبادىء أنا مقتنع بها. ولا تزال الدولة تدعي في تصريحات لوكالات الأنباء أنه لا دخل لها في طردي من جريدة الشروق. فمن أطردني من جريدة الشروق ؟ فإذا كان المدير متوفي، ولايمكن له أن يتخذ قراراً من قبره بطردي..!! وإذا كان البوليس السياسي لا تتحكم به الحكومة ولايتلقى أوامره منها..!! فالبوليس بوجوهه المألوفة لدى مناضلي المجتمع المدني، هو من قام بتعنيفي ومنعي من الدخول إلى الجريدة بشهادة آلاف المارة والصحفيين، إذا كان هذا البوليس لم يكن يتلقى تعليماته هذه من الحكومة فمن يوجه إليه تلك الأوامر…؟ وعبد الحميد الرياحي الذي قدم نفسه لرويتر على أنه مدير جريدة الشروق، ليس في الواقع مديراً لها وإنما هو رئس تحرير وزميل لي وينتمي مثلي إلى طقم التحرير، وبيني وبين الجريدة عقد وقع عليه صلاح العامري المدير المسؤول بالجريدة وهو الآن المتوفي. وكل الناس يعلمون أن طردي من الشروق ليس معزولاً عن تحرشات سابقة عنه، فقد مُنعت من الدخول مقاهي بالأنترنات أكثر من مرة، وتعرضت للتعنيف من قبل قوات البوليس يوم 21فيفري وأنا بصدد أداء عملي الصحفي أنا والزميل لطفي حجي على مرآى ومسمع من آلاف المارة، كما أني منذ ثلاث سنوات ممنوع من السفر دون أن يكون قد صدر في حقي حكم قضائي، وأنا في جريدة الشروق ممنوع من حق الترقية وكما أني الآن في درجة وظيفية مضحكة لاتتناسب وشهاداتي وكفاءتي. و من جهة ملفي المهني فرغم الأقدمية بستة عشر عاماً، فأنا في مستوى وظيفي أقل مما يجب بتسعة درجات، فأنا في الدرجة (51) بينما المفروض أن أكون في درجة تزيد عن(63).ثم إني مُنعت من ممارسة حقي النقابي، وتُقطع جميع مكالماتي الهاتفية، فمن بإمكانه أن يفعل كل هذا غير الحكومة؟ وإذا كان هناك من جهة مجهولة لا يعلمها أحد معنى هذا أن هناك  إنخراماً للأمن والحكومة ذاتها مسؤولة عنه .

وأذكر أن سنة2004 كان الاعتداء ضدي من قبل أصهار الحكومة نفسها، فحسام الطرابلسي لاأحد ينكر أنه صهر الجنرال ابن علي، فهذا الشخص يوم 8أوت 2004إقتحم منزلي وخربه وقبل ذلك بيوم أي 7أوت، أمر زبانيته بضربي في ندوة صحفية بشهادة وديع الصافي و نجوى كرم وصحفيين لبنانيين، وذلك بسبب طرحي لسؤال بسيط خلال الندوة الصحفية قلت: من هو حسام الطرابلسي هذا، حتى يلغي حكم قضائي؟ قوانين المؤسسات التي يقوم عليها، كما يدعي، نظام ابن علي، يستوجب لإلغاء قراراً قضائياً، قرارٌ إداريُ ثان استئنافي أو تعقيبي ،والحكم النهائي الذي أصدرته المحكمة لا يمكن بجرة قلم أن يلغيه حسام الطرابلسي فبأي صفة يفعل ذلك؟ وهذا الأمر متعلق بصدقية خبر صحفي نشر بالصفحة (29) بجريدة أخبار الجمهورية التي كنتُ أشتغل بها وقد قلت يوم 5أوت2004 أن نجوى كرم عليها حكم بالسجن وبالتالي الحفل لا يمكنه أن يحدث، فكذبني مدير أعماله قائلاً أنه ألغى الحكم، وقد هددني عبر الهاتف وقد سجلته في مسجل جهاز الجوال وهي تهديدات أتلقاها من أرقام متعددة،و قد مكنت عددا من الأشخاص من الإستماع إليها.وقد فوجئت يوم 8أوت بتخريب بيتي في خزندار وهو مجاور لمنزل ابن علي المعروفة، وحين ألجأ إلى الأمن وأشتكي إليه ما حدث يرفض قبول الشكوى. بعدها وقع طردي من جريدة أخبار الجمهورية وكل القضايا التي رفعتها عبر المحامي محمد عبو ضد من اعتدوا علي رَفضت المحكمة نشرها.ثم تعرضتُ للهر سلة، والترهيب أنا وأهلي وتعرضت للإيقاف وإطلاق سراحي أكثر من مرة بدون تهمة، ثم يقولون بعد هذا أن هناك حرية إعلام وأن حرمة الصحفي محفوظة.في الواقع يؤسفني أن أضطر إلى مثل هذه الحلول فقد نقص وزني إلى الآن(13) كيلوغرام وأرى الدم ينزف مني، لكن نظام ابن علي لم يترك لي أي باب ألجاء إليه.فالقضاء التونسي لايسمح لنا بنشر مثل هذه القضايا ومعروف أن رئيس المجلس الأعلى للقضاء هو رئيس الدولة نفسه، و هو يتحكم في التعيينات والقضاة لا يستطيعون حماية أنفسهم، كل الناس يعلمون ماذا حدث لجمعية القضاة التونسيين وإفتكاكها بالقوة من قبل النظام الحاكم، ومعاقبة القضاة غير الموالين لها.فكيف ألجأ إلى القضاء إذا كان القضاة أنفسهم قد أقروا بعدم وجود استقلالية للقضاء؟ وبمن أشتكي للقضاء أأشتكي بمن أعطى الأوامر بمعاقبتي وهو ذاته رئيس المجلس الأعلى للقضاء ؟ ثم التحرشات التي تعرضتُ لها أثناء قمة مجتمع المعلومات، وحجب موقع الإلكتروني لقناة العربية بسبب التقارير التي كتبت في الموقع، فقد كان موقعاً غير محجوب قبل القمة وهذا ضرب لحرية التعبير، وملاحقتي وكل الصحفيين التونسيين تقوم به السلطة ذاتها.و كل ذلك يقع على مسؤولية الحكومة. 

 كيف تقيمون المساندة التي تلقاها قضيتكم، كماً ونوعاً، منذ إعلانكم الإضراب ؟ 

 إحقاقاً للحق هناك مساندة كبيرة، و كل زيارة من قبل أي طرف من المجتمع المدني التونسي والدولي كانت إلى منزلي المتواضع وسام شرف على صدري، وقد حفزتني على مواصلة الإضراب وأكدت لي أن صوت الحق لابد أن يسمع وأن الباطل لامحالة زهوقاً وقد زارتني كل أطياف المجتمع المدني التونسي بدون استثناء، كل الأحزاب السياسية المرخص لها وغير المرخص لها بقياداتها و المنظمات التونسية: الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، هيئة 18أكتوبر للحقوق والحريات، خاصة نقابة الصحافيين وبالذات نقيب الصحفيين زميلي لطفي حجي، الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين، المجلس الوطني للحريات، مركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة، الهيئة الوطنية للمحامين الذين زاروني في وفد رسمي كذلك منظمات دولية مثل هيومن رايت وتش، إفاكس، إتحاد النقابات الأمريكية، الإتحاد الدولي للصحفيين الذي ساندني بقوة ولا أنسى منظمة مراسلون بدون حدود، المنظمة العربية لحرية الصحافة، نقابة الصحفيين العرب، نقابة الصحافيين السوريين ونقابة الصحفيين اليمنيين الذين إتصلوا بي، إتحاد الصحفيين الأفارقة بالمنفى، إتحاد التونسيين بسويسرا. والعديد من وسائل الإعلام الأجنبية و مهاجرين تونسيين عديدين، زميلي زهير لطيف، صديقي جلال الماطري  وبن سليمان عشرات المكالمات من باريس من الصعب إحصائها، كذلك البروفسور منصف بن سالم الذي إتصل بي العديد من المرات، العديد من الأطباء و التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، الحزب الديمقراطي التقدمي الزملاء من جريدة الموقف، الزملاء من قناة العربية الذين كانوا باستمرار على إتصال بي، فالحمد لله هذا يثبت أن المجتمع المدني ملتف جميعه حول قضية حرية الإعلام، وهوحق لنا يكفله الدستور، و النظام عليه أن يحترم المواثيق الدولية التي وقع عليها. وأنا اليوم مضرب عن الطعام بسبب قرار سياسي جرني إلى ذلك، ومادام قد قرر أن يجوعني ويقطع رزقي فقد قررت أن أجوع بإرادتي.

  تجربتكم المهنية تمتد تقريباً على طول فترة حكم نظام ابن علي، فكيف تقيمون الواقع الإعلامي خلال هذه الفترة ؟   

عملت في الحقل الإعلامي منذ سنة (1989)، وأهم ملاحظة يمكنني قولها هنا هي أن في عديد البلدان في العالم تستمتع المجتمعات والشعوب بما يسمى بسلطة الإعلام ونسمع كثيراًعن السلطة الرابعة، لكن في هذا البلد نحن نعيش في حالة معاكسة، فنحن ليس لنا سلطة إعلام وإنما فقط إعلام السلطة، ذلك أن تدخل السلطة في قطاع الإعلام هو تدخل مطلق، فلا توجد استقلالية من أي نوع في الساحة الإعلامية في تونس، والحالة الفريدة الممثلة في جريدة الموقف سآتي على ذكرها فالسلطة تمسك بقبضة حديدية على كل منافذ الاستقلالية في المراحل الثلاث من العمل الإعلامي:

  1ـ مرحلة ما قبل إنشاء المؤسسة الإعلامية

2ـ إنشاء المؤسسة الإعلامية

3ـ شروعها في الإنجاز الصحفي وإيصال المعلومة والإنتاج الإعلامي إلى المتلقي.

 ـ فقبل إنشاء المؤسسة الإعلامية يجب عليك الحصول على وصل إعلام أو ما يسمى بالترخيص وللحصول على وصل إعلام عليك أن تقدم ملف إلى وزارة الداخلية أي للسلطة ذاتها، وهم يدعون أن هناك مجلس إتصال والواقع أنه لا دور له، قانون الصحافة ينص على ضرورة تقديم ملف لوزير الداخلية فيه جميع عناصر التحرير و أركان المؤسسة، إسم الجريدة أو المؤسسة واختصاصها، على أن تحصل على وصل بالإعلام. ومجلة الصحافة تنص على أن صاحب المؤسسة الإعلامية عليه أن يطالب وزارة الداخلية بالحصول على الإعلام، ويمكن لوزارة الداخلية أن تمتنع عن تسليم وصل إعلام في حالة تقديم أي مطلب للحصول على جريدة لأي صحفي مستقل بالبلاد ولدينا عن ذلك أمثلة عديدة، وتقرير نقابة الصحفيين أورد قائمة طويلة في المؤسسات الإعلامية الصحفية أو الإلكترونية أو السمعية البصرية، فالدولة إذن هي المتسببة في عدم صدور أي عنوان جديد لا يكون موال لها.

 ـ للدولة صحف موالية لها، وهي لاتمنح تراخيص إلا لأصدقائها وإن منحت تراخيص لغير أصدقائها فهي تمسك بخناقها من الناحية المادية. فكُلفت إنجاز عنوان صحفي عالية بالنظر إلى غلاء الورق وغلاء الطباعة وإنشاء المؤسسة الصحفية.فهذا الغلاء متعمد حتى يضطر مدير الجريدة إلى العمل على مقاومة الكلفة العالية بالإشهار العمومي وغير العمومي. وفي هذا الإطار وضعت الدولة ما يسمى بوكالة الاتصال الخارجي وهي أسوء مثال في العالم للإتصال الخارجي، فهي لم تنشأ لغرض الإتصال الخارجي وأنا أسميها وكالة الرذيلة الصحفية لأنها لا تفعل غير التكتم على المعلومة فهي وكالة التعتيم الخارجي والداخلي فهي تقوم منذ سنوات بشراء ذمم مدراء الصحف فتمنحهم صفحات الإشهار وفي المقابل يمنحونها الصمت عن الحقائق المُرة. وهكذا نزل بالتدريج سقف الكتابة الجريئة في تونس إلى أدنى مستوى عرفته الصحافة التونسية. ففي عهد الدكتاتور السابق الحبيب بورقيبة كان على الأقل هناك بعض الجرأة النسبية. لكن الآن لم يعد بإمكان مدير الجريدة المغامرة بأي معلومة حتى ولو كانت اجتماعية فقد بلغ الأمر أن كارثة طبيعية مثل الفيضانات، تتدخل الدولة كي لا نكتب حتى عن الوفيات، فمع أن الكارثة طبيعية وحدوث كوارث طبيعية لا يدل على وجود مشاكل سياسية بالبلاد. فقد أصبحت كل الصحف كما يصفها الزميل لطفي حجي خرق بالية و أوراق فارغة تحتوي على بعض الأخبار الرياضية وأخبار الجريمة والإثارة.وهو مشهد إعلامي لايعكس حقيقة الكفاءات الصحفية التونسية ويؤكد هذا، كل الأقلام التونسية التي هاجرت إلى الفضائيات ووسائل الإعلام الكبرى في العالم.من جهة ثانية ،مع أن مديري الصحف كان عليهم أن يراهنوا على القارئ، فإن نهمهم ظل يدفعهم دوماً إلى عدم المجازفة والركون إلى طلبات السلطة ضماناً للاستزادة في الربح، إضافة إلى أن أكثر مديري الصحف بنسبة (%90) ليسوا صحفيين بالأصل، بعضهم كان مقاول بناء وبعضهم الآخر كان جنرال في الجيش، وهذا أمر لا يشرف البلد.

  ـ و دائماً في إطار حديثي عن استقلالية العمل الصحفي، خلقت الدولة نوعاً من العلاقة بين الصحفي الذي هو ركن أساسي في المؤسسة الصحفية ومديري الصحف.

1ـ الدولة تمتنع عن قبول أغلب القضايا الشغلية التي يرفعها الصحفيون ضد مديريهم.

2ـ في قانون الشغل وفي الاتفاقية الإطارية التي سهرت على إحداثها الدولة هناك العديد من المظالم في حق الصحفي ، فالدولة خلقت سيطرة من قبل مديري الصحف على الصحفيين وجعلت منهم جنودها في المؤسسة الإعلامية ليسيطروا على الصحفيين ويسلطوا علي الصحفيين سيف  الطرد والبطالة في أي لحظة تُعصى فيها أوامر المديرين، وبذلك اُوجد جيلاً من الصحفيين الصامتين ، وبدلاً من أن يكون الصحفي في مقدمة المدافعين عن حرية التعبير التي هي قضيته الأولى صار أحرص على أجره الشهري وقوته اليومي من أي شيء آخر. 

 كذلك يجب أن نشير أيضاً إلى أن هناك خطة كامة لشراء الذمم تقوم بها وكالة الإتصال الخارجي مع الصحفيين الأجانب وتقوم بها أيضاً عن طريق مؤسسة الرئاسة وبالتعاون مع جمعية الصحافيين، فقد سمعنا بقرار ابن علي بتوزيع الحواسيب على الصحفيين عامة، لكن في الواقع هذا يتم لفائدة الصحافيين الذين يتمسكون بجمعية الصحافيين ويُعادون تيار الصحافيين الأحرار، كذلك فإن حي الصحافيين لايسكن به صحافيين حقيقيين وإنما الذين أدوا أدواراً لا علاقة لها بشرف المهنة.فأغلب سكان حي الصحفيين هم ممن  يوالون النظام وقدموا الوشايات في حق زملاء لهم، كسروا عصا طاعة السلطة.فكل الأبواب إذن، أوصدت في وجه الصحفيين الأحرار، أما لو حدث وإنفلت مقال في أي جريدة من كل صمامات الأمان التي وضعتها الحكومة، وجاء المقال مخالفاً لما يشتهي النظام، تلجأ الدولة للمصادرة، فأخبار الجمهورية والموقف في شهر فيفري الماضي قامت الدولة بمصادرتهما من الأسواق. لكن تبقى هناك حالة وحيدة في تونس يمكن الحديث عنها وهي جريدة الموقف وهي الجريدة الوحيدة المستقلة و التي تدفع مقابل استقلالها فاتورة باهضة، فهي محرومة من الإشهار العمومي وتصادر من الأسواق بصورة مقنعة ولا يتم الإعلام عن مصادرتها، فهي تمنع في أهم المناطق وتوزع في ذات الوقت في مناطق أخرى، حتى يسهل على السلطة إنكار حدوث المصادرة، كما تمنع قوى الأمن من شراء جريدة الموقف بل ويعاقب الناس على قراءتها وإن بحثت عنها في الأسواق فلن تعث عليها بسهولة.

و مع كل المحاصرة وسياسات التعجيز لتعطيلها ومنعها ، لايزال هناك رجال بررة يصرون على إبقائها منبر للحقيقة على عكس ما ينشر في غيرها من صحف الموالاة التي يسميها رشيد خشانة بصحف البرافدا(Pravda).

ثم إن أهم دليل على تدخل الحكومة في الإنتاج الصحفي هي ظاهرة إنتهاك أعراض المعارضين. ولدينا على ذلك مثال الزميلة سهام بن سدرين التي بلغت في حقها حملة التشويه إلى أشنع وأقذر ما يمكن أن يصله شتم وإلى أقذر ما يمكن أن يقال في إمرأة من إنتهاك لحياتها الشخصية وشرفها.فهذه القوة والشراسة ومستوى الإنتهاك التي بلغته هذه المقالات دليل على تدخل السلطة فليس هناك أي صحيفة في العالم يمكن أن تكتب مقالات فيها إنتهاك للأعراض وهي تعلم أن هناك قانون يعاقب على الثلب والقذف وإنتهاك الأعراض، إلا إذا كان صاحب الصحيفة لديه تطمينات على أن القضاء لن يعاقبه.وفعلاً تُـرفع القضايا لكن القضاء  لا يَـنظر فيها. فالحملة كانت على شخصيات دولية و هذه الصحف مجندة، وقد رأيتُ كيف تأتي هذه المقالات جاهزة عبر الفاكس ثم يلقى بها إلى النشر و أنا أشهد للتاريخ أن هذه المقالات تكتبها الحكومة و في وزارة الداخلية من قبل محمود المهيري وعبد العزيز بن ضياء ورابح دخيل مدير الإتصالات ولاعلاقة للصحافيين بها.فواقع الإعلام في تونس مؤسف ولا يشرف حضارة هذا الشعب التي تبلغ الثلاث آلاف سنة. 

  منذ ما يزيد عن الخمس سنوات بقليل بدأنا نرى بعض الردود الأفعال ذات الطبيعة النضالية في المجال الصحفي أما قبل ذلك فيكاد أن يكون النضال في هذا القطاع معدوماً، فإلى ما يعود ذلك برأيكم ؟

  يمكنني أن أوافق على أن هناك مد نضالي في السنوات الأخيرة، لكن أيضاً منذ التسعينات كان هناك صحفي حاول كسر عصا الطاعة وهي بادرة الزميل الصحفي القدير كمال العبيدي الذي كان يشتغل في نشرة الأنباء ثم تجرأ على إجراء حواراً مع من تقدم للترشح منافساً للجنرال بن علي لرئاسة الجمهورية وهو الدكتور الفاضل المنصف المرزوقي وقام بنشره في جريدة فرنسية، فتعرض لعدد من التحرشات والهر سلة، غادر بعدها البلاد، إذن كانت هناك مبادرة ثم تطورت مع الأخوين بن بريك وسهام بن سدرين ثم ظهر لطفي حجي ثم بدأ عدد الصحافيين يتكاثر ممن هم مستعدون لكسر عصا الطاعة، وأنا أرى أن هناك صحوة رغم ما يبدو عليها من محدودية( فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله )    [ آية ] فالفئة القليلة الآن تريد التمسك بميثاق شرف المهنة الصحفية وترغب في كسر عصا الطاعة ويرفعون شعار الكلمة الشجاعة والكلمة الحرة والصادقة وبدأ يتزايد العدد فأحدثنا ضوضاء إيجابية في الساحة ودفعنا من أجسادنا وحريتنا ومن مكاسبنا المادية والمعنوية. ولكن ولادة نقابة الصحافيين التونسيين التي مثلت محطة هامة سنة 2004 كانت دليلاً على أن هذه الصحوة حقيقية والتحقنا نحن الصحفيين في تونس بالعمل النضالي الحقوقي مثل قطاع المحامين وقطاع الجامعيين وقطاع أساتذة الثانوي والآن أعدادنا في تزايد وليس في تناقص فكل يوم يرغب عدد جديد من الصحافيين في تصويب أخطائهم السابقة وهو دليل على أن هناك تطور وهذا لايظهر في المؤسسة الصحفية لأنهم يُمنعون من ذلك، لكنهم يعبرون عن مواقفهم خارج تلك الأطر الرسمية مثل نقابة الصحافيين و شبكة الأنترنات التي تعج بعديد الأقلام الصحفية.فداخل الصحف لا يسمح لأحد، فأنا لم يسمح لي وطردت ولطفي حجي أطرد من مجلة حقائق، فتمظهر الصحوة الجديدة برزت في النقابة وفي الشارع وفي منظمات المجتمع المدني و في شبكة بالأنترنات  وفي وسائل الإعلان بالخارج ،ودخول ثورة الإتصالات في نطاق هذا الحراك خدمت هذه الحساسيات لكن وجود ظاهرة العصيان عند الصحافيين مع كونها لم تتحول إلى سياسة تحريرية تسير على نهجها الصحف  وتكتب في المقالات. إلا أن ظاهرة جديدة قد بدأت وهي ظاهرة الإعتصامات داخل المؤسسات الصحفية والعرائض التي تصدر من بعض الصحافيين ظاهرة الإضرابات عن الطعام للصحافيين، كلها تأكد أن هناك حالة من التململ النسبي الذي سيستشري إيجابياً في المراحل القادمة، كذلك من المحطات الهامة مؤتمر جمعية الصحافيين في ديسمبر 2005وماعبرت عنه مداخلات عدد من الصحافيين العاملين في مؤسسات صحافية موالية للحكومة والأحداث التي جرت في ديسمبر 2004 بينت أن بداية انتعاشة لمد نضالي. كما أن سقوط قائمة السلطة لأن أصحابها لم يقدموا أنفسهم على أنهم قائمة السلطة، كان دليل على أن الصحافيين قد بدؤوا في معاقبة السلطة على ستة عشر سنة من محاصرة للإعلام والإعلاميين، ثم أظن أن الفضائيات والأنترنات خلقت لدى التونسي نوعاً من الإعلام الموازي لإعلام السلطة، فوجودي في العربية نت ووجود لطفي حجي في الجزيرة نت ورشيد خشانة في الحياة وسهام بن سدرين في مجلة كلمة مع نزيهة رجيبة وعديد الصحفيين في مواقع إلكترونية أو صحف في الخارج أوجد إعلاماً موازياً ،وبالتالي ذهب زمن التكتم على الحقائق. ومع أن السلطة تجتهد في التكتم على المعلومات والحقائق داخل مؤسساتها فإن هناك مؤسسات موازية توصل المعلومة إلى الشارع التونسي و الخارج معاً فالحكومة لا تستطيع أن تتحكم في الفضائيات، ورغم محاصرتها لشبكة الأنترنات وحجب مواقعها فإن هناك وسائل ثانية تصل عن طريقها المعلومة إلى بريدك الإلكتروني ثم ظاهرة الوساطة(les proxys) والدخول إلى المواقع المحجوبة عن طريقها.وأنا كل ما أريد قوله الآن  يصل إلى الخارج ويصل أيضاً إلى الداخل عن طريق الخارج

   ·        على مستوى الصحافة المكتوبة، الصحافة التونسية لها تقاليدها العريقة منذ الرائد التونسي وعلى مستوى الصحافة الإلكترونية هناك عدد من المواقع التونسية الممتازة و الرائدة لكن الصحفي والإعلامي في تونس لايزال بعيداً عن الاشتغال على الصورة برغم الأهمية العالية التي صارت تحتلها في نقل الخبر و دعم مصداقيته، ولعل توقف حركة تطور القطاع الإعلامي في هذا الاتجاه أدى إلى هجرة الكفاءات الإعلامية وترحيلها إلى الخارج فاستفاد الإعلامي التونسي دون أن يستفيد الرأي العام التونسي. 

 الصورة لها معنيين: أولاً الصورة بوصفها شكلاً أو تقنية؛ فأنا أقول أنه في تونس الآن لا يجوز الحديث عن مشهد إعلامي لأنه لا وجود له أصلاً فكل ما هو موجود موالي للحكومة فقناة حنبعل وقناة سبعة هما قناتان مواليتان للحكومة وهما يشتغلان بكفاءات لا علاقة لها في الغالب بالإعلام، فأغلب المخرجين والتقنيين والصحفيين فيهما لا يحترمون ميثاق الشرف الصحفي وهم قبل ذلك ليسوا أكفاء من الناحية المهنية. ثانياً الصورة بوصفها ناقلة للحقيقة؛ فقد كان فعلاً لدينا هذا المشكل مع الفضائيات والإنترنت على نحو دائم، إذ لايرفق الخبر في العادة بصورة تأكده وتقوي فعله. فنحن نُمنع من التظاهر ومن الاجتماع فكيف يسمح لنا بالتصوير؟ فعديد أجهزة التصوير الفيديو كانت تُـحطم أثناء التظاهرات من قبل رجال الأمن حتى لا توثق الأحداث بالصورة، و الحالات القليلة النادرة التي ينجح الصحفي في التقاط الصورة كنا نزود بها الإعلام في الخارج. ومن جهة ثانية لا توجد في تونس مبادرات إعلامية خاصة لأن الدولة لاتسمح بذلك.ولأن إنجاز مشروع إعلامي تلفزي أو غير تلفزي يحتاج إلى ترخيص ومثل هذه التراخيص لاتُمنح إلا لرؤوس أموال موالية للنظام. فإذاعة الموزاييك مثلاً (وأنا أسميها إذاعة الموزاـ ريق، لأنها إلتقاء الموز!!!  مع الريق !!! الريق البارد حاشى السامعين، فصاحبها بلحسن الطرابلسي كان تاجر للموز ونورالدين بوطار بوليس في جريدة الشروق معروف بانتهاكاته الكبيرة لشرف المهنة الصحفية،  ويساهم في هذه الإذاعة بـ الريق البارد !!  لذلك فهي إذاعة اُنجزت بالإشتراك بين الموز والريق). فهي إذاً إذاعة موالية للحكومة، ثم كيف تطلب من تاجر الموز أن ينهض بدور إعلامي راق في حين هولا يفقه من هذا الميدان أي شيء؟ أو في حنابَغْل، كل مؤهلات عربي نصر أنه صهر ابن علي، ولاعلاقة له بالإعلام، بل مَن من مديري الصحف في تونس جاء إلى الصحافة بخبرة صحفية ؟ فكيف يمكن أن نطرح تطوير المشهد الإعلامي؟ فسعيدة العامري تنص بطاقة تعريفها على أن مهنتها شؤون المنزل، أصبحت مديرة جريدة منذ أن توفي زوجها كيف يمكنني كإعلامي أن أتحدث معها عن الصورة ودورها في الإعلام وهي إمرأة لا تُحسن غير الطبخ وشطف المنزل أوخياطة زر إن سقط من قميص إبنها.فمديري الصحف أََبْغَال ليس لهم علاقة بالمهنة ورؤساء التحرير في غالب الأحيان معينين،ويمكنك أن تجد بيننا بوليسية برتبة رؤساء تحرير. وقد قلت مرة خلال أيام القمة العالمية لمجتمع المعلومات في الندوة الصحفية لكوفي أنان أننا نتعرض للهر سلة من قبل رجال الأمن وأن عدداً منهم حاضرون معنا هنا في القاعة بصفة صحافيين وأشرت عليه ببعض من أعرفهم جيدا كانوا حاضرين بيننا. فأنا اُحرم من بطاقة مهنية وزملائي كذلك لطفي حجي ومحمد الفراتي وسهام بن سدرين بينما تُمنح للرجل الأمن، وبالتالي لايمكننا الحديث عن تطوير العمل الإعلامي في غياب الفضاء الإعلامي فليس لنا في الواقع فضاءات إعلامية في تونس وإنما فروع لوزارة الداخلية يسمونها صحف.

  ·        لكن الصورة تُطرح على المستوى النضالي أيضاً فكما أن أحزاب سياسية وجمعيات في المجتمع المدني تنشط دون أن تحصل على ترخيص قانوني و مثلما هناك أقلام تكتب دون أن تحصل على بطاقات مهنية فلن تعجز العاملين في الحقل الإعلامي والصحفي الحيلة من التقاط صور ومشاهد الفعل النضالي ميدانياً ولن يكون على أحد أن يعبأ بتراخيص رسمية ممن لا صفة لهم.فما قولكم في هذا الرأي ؟  

 لقد كان هناك محاولات من هذا القبيل، صحيح أنها لم تكن كثيفة، نظراً للرقابة الأمنية، فأنا مثلاً سجلت حديث تلفزي لفضائية معينة منذ أسبوع في هذا المنزل، هل تعلم أننا بقينا لمدة أربعة أيام نحاول التسجيل والبوليس في كل مرة يمنعنا، الهاتف مراقب في بيوتنا وفي مقراتنا ومقرات المنظمات، وفي مواقع عملنا توضع أجهزة لتنصت، ويكسرون الكاميرا ورغم ذلك قمنا بمحاولات، أذكرك بقناة الزيتونة إلى جانب قناة الحوار التي بثت عدة مشاهد من تونس وحركة النهضة تمكنت من تسجيل سجناء خلال التعذيب، الله أعلم كيف تمكنت من ذلك ؟ أحزب أخرى سجلت أشرطة فيديو، فمحاولات من هذا القبيل موجودة.رغم أن الأمن يراقب مراقبة لصيقة، فهم يمنعونك حتى من قضاء شؤونك الخاصة، وقد مُنعت من مراسلة زين العابدين بن علي شخصياً، لأني لا أعتقد أنه رئيس لكوننا بكل بساطة لسنا في نظام جمهوري وإنما في نظام دكتاتوري، وقد مُنعت بالقوة من قبل رجال البوليس، فإن كان قد منعك من حقك القانوني في التراسل فكيف يسمح لك بالتصوير وأغلب الشخصيات التي يمكنها أن تغامر بالتصوير هواتفها مراقبة ويقطعون الاتصالات كلما أرادوا ذلك، وقد إفتكوا مني هاتفي الجوال بعد تصويري إياهم، ومسحوا الصور. 

  ·        تجربتكم المهنية في ميدان الصحافة والتي تتمدد على طول حكم نظام السابع من نوفمبر تسمح لنا بسؤال عن رأيكم فيما لو قارنتم واقع المشهد الإعلامي بين حقبة ما قبل1987وبعدها. 

  أريد أن أشير أولاً أن والدي مناضل في الحركة الوطنية بصفاقس، شارك لمدة أربعة سنوات بالمقاومة في منطقة القصرين وأصيب خلالها بجروح جراء طلقات الرصاص، وصار لاحقا يشتغل بوزارة الفلاحة و مراسل بجريدة(la presse) نظراً إلى أن ثقافته فرنسية، وكان يعود إلينا دائماً محملاً بعديد الصحف التي ألجأ إليها للتسلية بقراءة بعض نصوصها بصوت عال، مقلداً مذيعي نشرات الأخبار بالتلفزيون: وعلمت الآن…..فكان ذلك يثير في عماتي وخالاتي الضحك ويرمونني بالجنون أحياناً..ويدعون والدتي لمراجعة الطبيب للنظر في سلوكي الغريب بحسبهم.ومنذ السنة أولى ثانوي صرت أشتري جريدة الصباح فقد كنت مغرما بالصحافة في سن مبكرة، وأذكر أن والدي كان يأتي بجريدة الرأي وهي صحيفة محترمة أيضا وكنت مغرماً بجريدة الأيام وهي جريدة جريئة رغم أنها موالية لحزب معين وكانت تجربة نيرة في الصحافة الساخرة بتونس، أيضاً جريدة النهار التي صدرت لفترة، حتى الجرئد الأخرى كانت جيدة على المستوى الإخباري والإثارة الصحفية والإخراج وكانت هناك كفاءة في اللغة العربية لكن هذا المستوى إنحدر لأن الجامعة لم تعد تنتج كفاءات بمستوى ما كانت تفعل سابقاً. فكلية الصحافة تم تمييع برامجها الدراسية كما لحقت اللعنة المؤسسات الصحفية، وقامت الدولة بتعين أناس ليسوا من العاملين في الميدان الصحفي، فهم لديهم ثقافة أمنية متخصصة لكن ليس لهم أدنى إحاطة أوثقافة صحفية.ثم الإحباط العام الذي أصاب البلد وأهله جعل من حماسة عديد الصحفيين تتراجع، وتتناقص الجرأة ويصبح الخوف على أرزاقهم التي يهدد النظام بقطعها على من يخرج على خطه.فالحملة التي شُنت ضد الإسلاميين، لم تصب الإسلاميين وحسب وإنما أنهكت كل النخب وأخافت الجميع، وهكذا انحدر الإنتاج إلى الأسفل، ولم نرى الصحوة إلا في جريدة الموقف، فتقريباً في سنة (2001) بدأت مع جريدة الموقف أشبه ما يمكن أن نسميه بعودة الروح إلى الصحافة التونسية الجيدة شكلاً ومضموناً، بكفاءاتها العالية من مثل رشيد خشانة ومحمد الفراتي ومحمد الحمروني ومحمد القوماني، ماهر حنين، فتحي الشفي كذلك الأسرة الموسعة التي أنتمي إليها أنا وزميلي لطفي حجي وعديد الأقلام الأخرى. فلو أن للموقف تشجيعات مادية لكانت صفحاتها أكثر و اهتماماتها أكبر و وهي مع كل ذلك الآن درس للصحافة، تؤكد من خلاله أن الصحافة في تونس لم يُصبها العقم بل مازالت رغم الصعاب ثابتة، أيضاً الطريق الجديد رغم بعض تحفضاتي فإنها جريدة جيدة ومحترمة من الناحية الإعلامية.كذلك الصحف التونسية الإلكترونية جريدة البلاد و خاصة جريدة الوسط أيضاً جريدة كلمة .كذلك المنبر الإعلامي اليومي من مثل تونس نيوز و تونزين وغيرها. وأنا أجد أنه علي أن أدعو حزب التكتل من أجل العمل والحريات أن يبعث بجريدة لإكمال المشهد الإعلامي إلى جانب الموقف و الطريق الجديد.وقد دعوت السيد مصطفى بن جعفر في غير ما مناسبة أن يفكر جدياً في الأمر وسندعمها ونساندها بكل غال ونفيس حتى لاتكون هناك موقف واحدة وهذا في واقع الأمر واجبنا نحو البلد ونحو حرية الإعلام. 

 ·        مايتنكبه المشهد الإعلامي في تونس اليوم ربما دفع عدد من الأقلام التونسية إلى مقارنة الواقع الراهن للإعلام في تونس بعصره الذهبي، على حد وصفهم  

 الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أصدرت تقريراً بعنوان: الإعلام تحت الحصار، لكن الأصل أن أي حر في العالم لابد أن يكون ضد الاستعمار لأنه يمارس عملية نهب منظم لثروات ومكسب الشعوب ويتعدى على حقوقهم فهو في المحصلة يساوي استبداد خارجي، فأي فرق يمكن أن يكون بين أي دكتاتورية ناشئة من الداخل واستعمار مستبد يأتيك من الخارج، فعلى مستوى النتائج لا فرق بينهما. فأي فرق بين عصا يتعرض لها الإنسان من الداخل أو من الخارج ؟ فأن تكون مستوردة أو من إنتاج محلي، النتيجة في نهاية المطاف واحدة. فالدكتاتوريات العربية هي ناشئة من رحم الاستعمار، فحين كان استعمار كان هناك صحف محظورة، والآن تعيش البلاد الحالة نفسها. فأغلب الصحف التونسية التي لم تكن تروق للمستعمر كانت محظورة لكنها بقيت في أذهان الناس وفي الأرشيفات وظلت تعكس مستوى التألق الذي بلغته النخبة النيرة في تونس كما كانت تعبر عن تطلعاتها من أجل التحرر الوطني. وهكذا فحظرها ومنعها من الصدورلا يمكن أن يلغي وجودها من التاريخ ولا من وعي الناس.فقد ذهب المستعمر وبقيت الصحف في الذاكرة . وتماماً كما حدث في السابق سيعاد مستقبلاً، فسيذهب ابن علي لامحالة ويذهب معه سلطانه وتجبره وستبقى: تونس نيوز و كلمة و الموقف.. وكل التجارب النيرة وسيقال أنه كانت هناك صحافة نيرة تقاوم الظلم والاستبداد ولن ينتبه أحد حينها إلى أن صحفاً كانت محظورة مثلما لم ننتبه نحن إلى أن صحفاً منعت وحجبت على أيام الإستعمار الفرنسي. وما سيبقى أن صحفاً عبرت عن حركة تحرر وطني ضد الإستعمار مثلما تعبراليوم مع الصعاب عدداً من الصحف النيرة عن حركة التحرر الوطني من الاستبداد الداخلي ممثلة في حركة(18) أكتوبر.فالواقع الحالي لايختلف عن ماضيه، فلا يختلف الاستبداد الداخلي عن الإستعمار القادم من الخارج، ولاتختلف الحركة التحررية ضد الإستعمار عن حركة التحرر الوطني الثانية التي إنخرط فيها أبناء ذات الشعب، فراشد بوخذير الذي كان يقاوم الإستعمار الفرنسي يجيء إبنه اليوم ليتابع نفس المد التحرري.فنفسه الشعب الذي يطالب بالحرية البارحة يطلبها اليوم. 

  ·        مطلب حرية التعبير والإعلام، مطلب رفعته حركة(18) أكتوبر، وهو يشكل أحد أهم المطالب التي تجمع عليها المعارضة الوطنية ومنظمات المجتمع المدني، لكن هذا ألا يحملكم مسؤولية التفكير في مشاريع إعلامية تكون قاعدة لعمل وطني يتجاوز الأفق المطلبية و يكون قادراً على مواجهة سيول الإعلام المتدفقة بفعل العولمة ؟  

إن كنت تريد أن تطاع فيجب أن تطلب المستطاع، فأنت تتحدث عن بلد، حق الإجتماع فيه ممنوع وحق التنظم فيه ممنوع وهوبلد لم يتوفر فيه هذا الإعلام على المطالب الدنيا التي نرفعها. فكيف يمكن أن نلتقي جميعنا ونصرف جهودنا إلى مشاريع بهذا الحجم. ثانياً نحن نعبر بإستمرار عن مخاطر العولمة ونجتهد في حماية الصحافة التونسية من مخاطرها، فالصحافة التونسية اليوم مع المقاومة العراقية وهي أيضاً تعارض اُكذوبة الإرهاب و دعوى مكافحته في منابرها وندواتها وتواجه فضائيات الأغاني المائعة التي تحاول أن تفسد أخلاق الشباب و سياسات تخريب التعليم في تونس. لكن إنشاء مبادرة ضخمة من مثل مجلس أعلى للإتصال يستوجب حد أدنى من الحقوق وهو حق الإجتماع.فنحن نُمنع حتى من الالتقاء في المقاهي. 

  ·        أخيراً، كيف ترجون للواقع الإعلامي في تونس أن يكون بعد نظام بن علي ؟   

في الحقيقة لايجوز باعتقادي الحديث عن مرحلة ما بعد ابن علي لأنه لم ينته بعد، لكن لماذا أبحث عن التفاؤل في المستقبل، فواقعنا اليوم يبعث على التفاؤل، فبالرغم من وجود ابن علي فإنه لم يستطع أن يكمم الأفواه الحرة ويذبح الكلمة الشجاعة والصادقة.فهناك صحوة متراكمة يمثلها الأحرار، سواء بقي ابن علي أو لم يبقى، ستظل في تنامي مستمر ولن يوقفها أحد .بل أنا أقول أن علينا أن ننتظر من هذه الصحوة الكثير،  وإن شاء الله نعيش لذلك اليوم، لأن نظام ابن علي أسكن في أجسام مناضلي المجتمع المدني أمراضاً كثيرة بسبب الهرسلة المستمرة والتجويع والاعتقالات ونسأل الله أن نعيش إلى اليوم الذي نشاهد فيه إعلاماً حراً في تونس. وأنا أنتهز هذه المناسبة لأعبر عن تضامني مع زميلتي هند العرفاوي فهذه الزميلة اُطردت من جريدة(presse la) بسبب موالاتها لنقابة الصحافيين التونسيين، ومن فضائح القضاء في تونس أن هذه القضية الشُغلية و مع اعتراف صحيفة (La presse) بطرد الزميلة هند طرداً تعسفياً فقد حكم القاضي بحفظ القضية ولم يحكم لها بالتعويض, أنا أتضامن معها وأقول أن هذه القضية وصمة عار في سجل القضاء التونسي. أيضاً أريد أن أتضامن مع الأستاذ حبيب اللوز، المناضل الحر من حركة النهضة، وقد دفع فاتورة باهضة من صحته فاليوم ستة عشر سنة ذاق فيها كل ألوان الظلم في ظروف اعتقال وحشي، هذا الرجل يَفقد اليوم بصره أويكاد، وهو اليوم في صراع مع الموت وقد مات فيه كل شيء إلا إرادته وأتمنى أن أسمع عنه أخبار طيبة، وأدعو له بالشفاء العاجل. وأطلب أيضاً من وحش الغابة زين العابدين بن علي أن يرفع يده عن حبيب اللوز وأساله ألا يكفيك ستة عشر سنة أخذتها من سنين حياته، أخذت منه صحته وبصره ألم تُشبع بعد يا بن علي نَهم ساديتــ(sadisme)ــك؟  

 ·        ونحن أيضاً نسأل الله لكم العافية من كل سوء، لتتابعوا مشاركتكم قيادة حركة التحرر الوطني على الجبهة الإعلامية، أنتم وزملاؤكم أصحاب القلم الشامخ والكلمة الحر، وشكراً.       

اترك رد